كتب: سيلين القاضي -القاهرة
![]() |
| ليبيا بين فوضى السلاح وتعثر المبادرة الأميركية لإنهاء الانقسام |
تواجه ليبيا مرحلة جديدة من التعقيدات السياسية والأمنية، في ظل استمرار نفوذ التشكيلات المسلحة وتزايد المخاوف من اتساع نطاق الفوضى، بالتزامن مع تعثر الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة.
وتتصاعد التوترات بشكل خاص في غرب ليبيا، حيث شهدت مدن عدة اشتباكات بين تشكيلات مسلحة متنافسة، وسط مخاوف من امتداد حالة عدم الاستقرار إلى مناطق أخرى، في وقت لا تزال فيه الدولة عاجزة عن فرض احتكار كامل للقوة والسلاح.
اشتباكات وتهديدات للمنشآت النفطية
برزت مدينة الزاوية، الواقعة شمال غربي ليبيا، باعتبارها واحدة من أبرز بؤر التوتر الأمني، بعدما شهدت في أغسطس الحالي اشتباكات داخل مناطق سكنية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.
ولم تقتصر تداعيات الاضطرابات على الجانب الأمني، إذ طالت منشآت حيوية وقطاع النفط، بعدما تعرضت مصفاة الزاوية ومنشآت مرتبطة بها لهجمات بطائرات مسيّرة، ما أثار مخاوف من تحول المنشآت النفطية إلى أهداف للصراع وورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الدخل في البلاد.
ويرى مراقبون أن استمرار انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة يفتح الباب أمام تكرار السيناريو ذاته في مدن أخرى، بما فيها العاصمة طرابلس، خصوصاً مع استمرار التنافس بين الفصائل المسلحة على النفوذ والموارد.
خلاف حول دور الحكومة والتشكيلات المسلحة
وتثير العلاقة بين حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة والتشكيلات المسلحة جدلاً واسعاً داخل ليبيا، ففي الوقت الذي يرى فيه مؤيدو الحكومة أنها تسلمت إرثاً أمنياً معقداً واضطرت إلى عقد تفاهمات مؤقتة مع بعض القوى المسلحة لتجنب مواجهات أكبر، يتهمها منتقدون بالمساهمة في تعزيز نفوذ عدد من هذه التشكيلات عبر الدعم المالي والعسكري.
ويرى سياسيون أن التعامل مع الفصائل المسلحة باعتبارها كتلة واحدة قد لا يكون الحل الأمثل، مشيرين إلى أن بعض التشكيلات تحولت إلى قوى أمنية وعسكرية شبه نظامية، ويمكن أن تشكل جزءاً من ترتيبات أمنية مستقبلية إذا جرى دمجها ضمن مؤسسات الدولة وفق قواعد واضحة.
مخاوف أمنية في شرق ليبيا
وفي شرق البلاد، حيث تتمتع قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر بنفوذ واسع واستقرار أمني نسبي، أعاد مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري في انفجار عبوة ناسفة بمدينة بنغازي، في 10 أغسطس الحالي، المخاوف من وجود خلايا مسلحة أو متطرفة قادرة على تنفيذ هجمات تستهدف شخصيات ومؤسسات أمنية وعسكرية.
وتشير هذه التطورات إلى أن الاستقرار النسبي في شرق ليبيا لا يعني اختفاء التهديدات الأمنية، في ظل استمرار التحذيرات من إمكانية استغلال أي ثغرات لضرب مؤسسات الدولة والشخصيات المؤثرة.
مبادرة أميركية لإنهاء الانقسام
وفي خضم هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، والتي تستهدف الدفع باتجاه صيغة سياسية تنهي حالة الانقسام وتفتح الطريق أمام توحيد مؤسسات الدولة.
وتتضمن الأفكار المطروحة، وفق ما تم تداوله، ترتيبات لتقاسم السلطة بين أطراف الصراع، من بينها مقترح بتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
غير أن المبادرة تواجه اعتراضات وتحفظات من قوى سياسية ومجتمعية في غرب ليبيا، ترى أن بعض الترتيبات المقترحة قد تعيد إنتاج موازين القوى الحالية بدلاً من معالجة جذور الأزمة، فيما يخشى آخرون من أن تؤدي إلى زيادة حضور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.
وفي المقابل، يرى مؤيدون للمبادرة أن التحرك الأميركي يمثل فرصة مهمة لإنهاء صراع استمر لسنوات، خصوصاً مع وجود تحرك دولي وإقليمي للضغط باتجاه توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية.
انتخابات مؤجلة وانقسام مستمر
ويعود جانب كبير من الأزمة الليبية إلى تعثر الانتخابات التي كان مقرراً إجراؤها في ديسمبر 2021، بعدما حالت الخلافات المتعلقة بالقاعدة الدستورية وشروط الترشح وترتيبات العملية الانتخابية دون إتمامها.
ومنذ ذلك الوقت، استمر الانقسام السياسي والمؤسسي، وظهرت حكومة منافسة في شرق البلاد عام 2022، لتدخل ليبيا مجدداً في مرحلة من ازدواجية المؤسسات التنفيذية والسياسية.
وبينما تتواصل التحركات الدولية والإقليمية بحثاً عن تسوية، يبقى نجاح أي مبادرة مرهوناً بقدرتها على معالجة الملف الأمني بالتوازي مع المسار السياسي، وضمان مشاركة مختلف القوى الليبية في صياغة حل قابل للاستمرار.
وتظل المهمة الأصعب أمام الأطراف الليبية والدول المنخرطة في الأزمة هي الانتقال من تفاهمات مؤقتة بين مراكز النفوذ إلى بناء مؤسسات دولة موحدة، قادرة على فرض القانون وحصر السلاح بيدها، بما يمهد الطريق أمام انتخابات شاملة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.
