بقلم: الصحفي حسن الخباز
مدير جريدة "الجريدة بوان كوم"
في خرقٍ واضح للدستور، وخروجٍ متعمّد عن القوانين، وضربٍ غير مسبوق للمنهجية الديمقراطية، صادق المجلس الحكومي، يوم الخميس الماضي، على مشروع قانون إعادة هيكلة المجلس الوطني للصحافة.
وقد أثارت هذه المصادقة ردود فعل واسعة، لا سيما من أهل الاختصاص، كما اجتاحت المنصات الاجتماعية موجة من الانتقادات الحادة، وُصفت بأنها رفض قاطع لما اعتبروه فضيحة قانونية ودستورية، ومجزرة في حق مهنة الصحافة، ومهزلة سياسية، ونكبة للسلطة الرابعة، كما وصفها القيدوم الصحافي توفيق بوعشرين.
وفي تعليق له، قال بوعشرين، مدير النشر السابق ليومية "أخبار اليوم"، إن "مشروع القانون المعلوم أُرسل بأشلائه الممزقة إلى البرلمان، حيث استُقبل بأغلبية مطبّعة، أليفة، تصوّت مغمضة العينين، صمّاء الأذنين، خرساء اللسان".
وأضاف: "لقد أثبتت حكومة عزيز أخنوش، وهي تقترب من نهاية ولايتها، أنها تسابق الزمن لتمرير مشاريع قوانين مثيرة للجدل، يصعب على أي برلمان ديمقراطي قبولها، وتُمرّرها عبر أغلبيتها بطريقة تفتقر لأي نقاش أو تداول فعلي".
ويهدف المشروع، بحسب ما ورد، إلى منح المجلس الوطني للصحافة صلاحيات وصفت بالقمعية، تتيح له توقيف الصحف الورقية والإلكترونية والمجلات وباقي وسائل الإعلام، وهو أمر يتجاوز اختصاصه القانوني، إذ أن مثل هذه الصلاحيات لا تُمنح إلا للسلطة القضائية، ولا تملكها حتى الحكومة نفسها.
المستفيد الوحيد.. والمقصي الأكبر
ويذهب المراقبون إلى أن المشروع سيخدم جهة واحدة بعينها، وهي الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، التي وُصفت بأنها "أليفة" وتحظى برعاية السلطة، ما يجعلها الجهة الأقرب للاستفادة من تركيبة المجلس الجديدة.
وفي المقابل، تم إقصاء الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، رغم أنها تضم التمثيلية الأكبر داخل قطاع الصحافة المغربية.
وقد أشار بعض خبراء الإعلام إلى أن هذا الإقصاء لم يكن عرضيًا، وإنما له خلفيات سياسية واضحة.
خرقٌ للشفافية وتكافؤ الفرص
من بين الانتقادات التي وُجهت لمشروع القانون، أنه يُميز بين مكونين أساسيين في المشهد الإعلامي، إذ يُفرض مبدأ الانتخاب على طرف، بينما يُكتفى بالتعيين للطرف الآخر، وهو ما يُعد انتهاكًا صارخًا لمبدأ تكافؤ الفرص، ويشكل ضربة للديمقراطية والشفافية.
كما أن المشروع يمنح أفضلية واضحة للمؤسسات الإعلامية الغنية، مقابل تهميش المقاولات الصغيرة، في تجسيد صريح لسياسة "إغناء الغني وإفقار الفقير"، على حد تعبير عدد من الإعلاميين، أو كما يقال بالعامية: "كايزيدو الشحمة فظهر المعلوف".
معايير خيالية.. وانتداب مثير للجدل
وفي هذا السياق، قال الصحافي نور الدين مفتاح، مدير نشر جريدتي "الأيام" و**"الأيام 24"**، إن "انتداب ممثلي الناشرين جاء بناء على معايير أقرب إلى الخيال العلمي، حيث يُمنح الامتياز لمن يملك رقم معاملات سنوي ضخم، أو حجم إعلانات مرتفع، ليُعتبر كأنه يمتلك عشرين مؤسسة إعلامية".
وأضاف: "من يتجاوز رقم معاملاته السنوية 900 مليون سنتيم، يُحتسب له وزن اعتباري كبير، بينما من لا يتجاوز 299 مليونًا ولا يتوفر على أكثر من 12 موظفًا، يُعامل وكأن له مؤسسة واحدة فقط".
قلق مشروع ونقاش مرتقب
في نهاية المطاف، يبدو أن مشروع القانون الجديد فتح بابًا واسعًا من الجدل، وقد يُشعل في الأيام المقبلة نقاشًا حادًا على المستوى السياسي والإعلامي. ويبقى الخوف الأكبر، كما عبّر عنه عدد من الصحافيين، أن تؤدي تبعات هذا المشروع إلى نتائج لا تُحمد عقباها، في وقت يمر فيه المشهد الإعلامي المغربي بمنعطف حرج.
